الشيخ السبحاني
102
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
أنّ أولياء اللّه آلهة ( آلهة صغيرة وإن كان فوقها إله كبير ) ، أو أنهم أرباب مدبرون ومديرون للكون كله أو بعضه ، أو أنهم مفوّض إليهم أفعال اللّه سبحانه ، فلا شك أنّ أقلّ عمل صادر من أي شخص بهذه النية ، حتى ولو كان كتقبيل الضريح ولمس القبر ، يتصف بالعبادة ، ويكون العامل مشركا غير موحد في العبادة . وأمّا إذا قام بها مجردة عن تلك العقيدة ، بل بما أنهم عباد مخلصون مكرّمون ، كرّسوا حياتهم في طريق رضا اللّه سبحانه ، وقاموا ببذل النفس والنفيس في سبيله فلا يعد عبادة حتى ولو ركعوا وسجدوا لهم . وقد عرفت أنّ سجود الملائكة لآدم ويعقوب وأبنائه ليوسف كان مجسدا لأعظم خضوع وتعظيم ، ولم يكن شركا في العبادة . وأنّ العرب الجاهليين كانوا واقعين في حبائل الشرك لا لأجل الخضوع المجرد للأصنام والأوثان ، بل لأجل اعتقاد الألوهية والربوبية في حقهم واعتقادهم باستقلالهم بالنفع ونفوذ المشيئة . يقول سبحانه موبخا إيّاهم يوم القيامة على ما اعتقدوه للأصنام من الاستقلال في إيصال النفع ودفع الضرر : أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ « 1 » . ويقول حاكيا اختصامهم يوم القيامة إنهم يخاطبون من اعتقدوا فيهم الربوبية وخصائصها : تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ « 2 » فانظر إلى هذه التسوية التي اعترفوا بها حيث يصدق الكذوب ويندم المجرم حين لا ينفعه ندم . فالتسوية المذكورة هي التي صيّرتهم مشركين ، سواء أكانت تسوية في جميع الصفات أو في بعضها . وممّا يدل على اعتقادهم الربوبية في معبوداتهم ، قوله سبحانه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ « 3 » ، وغير ذلك من الآيات الدّالة على أنهم كانوا يعتقدون في الأوثان والأصنام شيئا من
--> ( 1 ) سورة الشعراء : الآيتان 92 و 93 . ( 2 ) سورة الشعراء : الآيتان 97 و 98 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 165 .